ابن الجوزي
32
بستان الواعظين ورياض السامعين
[ 41 ] صفة الصور والصور قرن من نور فيه أثقاب على عدد أرواح العباد فتجتمع الأرواح كلها فتجعل في الصور . [ 42 ] أين يقف إسرافيل ويأمر الجبار إسرافيل أن يقوم على صخرة بيت المقدس وينادي في الصور وهو في فيه قد التقمه والصخرة أقرب ما في الأرض إلى السماء وهو قوله تعالى : وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ [ ق : 41 ] ويقول إسرافيل في ندائه : أيتها العظام البالية واللحوم المتقطعة والأشعار المتبددة والعروق المتمزقة ، لتقمن إلى العرض على الملك الديّان ليجازيكن بأعمالكن فإذا نادى إسرافيل عليه السلام في الصور خرجت الأرواح من أثقاب الصور فتنتشر بين السماء والأرض كأنها النحل يخرج من كل ثقب روح ولا يخرج من ذلك الثقب غيره ، فأرواح المؤمنين تخرج من أثقابها نائرة بنور الإيمان وبنور أعمالها الصالحة ، وأرواح الكفار تخرج مظلمة بظلمات الكفر ، وإسرافيل يديم الصوت والأرواح قد انتشرت بين السماء والأرض ثم تدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد فيدخل كل روح إلى جسده الذي فارقه في دار الدنيا ، فتدب الأرواح في الأجساد كما يدب السم في الملسوع حتى ترجع إلى أجسادها كما كانت في دار الدنيا ، ثم تنشق الأرض من قبل رؤوسهم فإذا هم قيام على أقدامهم ينظرون إلى أهوال يوم القيامة ، وإسرافيل عليه السلام ينادي بهذا النداء لا يقطع الصوت ويمده مدا والخلائق يتبعون صوته والنيران تسوق الخلائق إلى أرض القيامة . [ 43 ] ملازمة الأعمال للأجساد فإذا خرجوا من قبورهم خرج مع كل إنسان عمله الذي عمله في الدنيا لأن عمل كل إنسان يصحبه في قبره ، فإن كان العبد مطيعا لربه وعمل عملا صالحا كان أنيسه في الدنيا ، ويكون أنيسه إذا خرج من قبره يوم حشره يؤنسه من الأهوال ومن هموم القيامة وكروبها ، كلما نظر العبد المؤمن إلى نار أو إلى هول من أهوال القيامة جزع فيقول له عمله : يا حبيبي ما عليك من هذا شيء ، ليس يراد به من أطاع اللّه وإنما يراد به من عصى اللّه تعالى مولاه ثم كذّب بآياته واتبع هواه ، وأنت كنت عبدا